تدوينات.

أهازيج زفة عرفات وليلى

في الرابع عشر من شهر آب، اجتمعت فلسطين، كل فلسطين، في مركب واحد، لتزف العروسين، عرفات وليلى، والباسل الحاضر دوماً، ليصبح حفل الزفاف مظاهرةً شعبية بامتياز!
مرفق أدناه، اهازيج زفة عرفات وليلى

 

تدوينات.

لماذا أنا أزرق؟

في البدء، مخلوق أزرق، حزين، يعتمر الحزن صدره طيلة الوقت، عيناه تلازم السقف طيلة الليل، والسواد يغشى عينيه، وجبل أحد كل يوم يجثم على صدره، ينام ولا ينام، يستيقظ ولا ينام، يعدّ الأيام عدّاً، ولا تمضي.

في الوسط، مخلوق شفّاف، ليس حزيناً ولا سعيداً، خائفٌ، يصبح سعيداً ويمسي حزينًا، عيناه بين هاتفه، وسقف غرفته. هناك ضباب يغطي عينيه، وجبل أحد ينزاح شيئًا فشيئًا، يغطّ في نومة هنيئة، يعد الأيّام سراعًا. كي يأتي ما بعدها..

*يأتي مخلوقٌ أزرق آخر، ويضع كفه الحانية على كتفه، والأخرى تتسلل بين أصابعه، وينساب شيءٌ غريبٌ بينهما لا يدرون كنهه*

الآن، مخلوق حقيقي، حقيقي للغاية، سعيدٌ، يصبح ويمسي سعيدًا، عيناه تنظر إلى شيءٍ حقيقي، الوضوح يعتمر الصورة، وعيناه صافيتان، ولا شيء يقطن فوق صدره، خفيفٌ، خفيفٌ، خفيفٌ قلبه، يطير، ويحلّق، لا شيء يمنعه، يدرك ما لا تدركون، ويرى ما لا ترون، ينام ليستيقظ مسرعاً، كي يعيش ما بعده.

أزرق يسائل أزرق: ألم تكن حزيناً كفايةً كي لا ترى ما لا نرى؟ كي تطير كما نطير؟ كي تسترق النظرات كما نسترقها؟
أزرق يحدث نفسه: يا الله، كيف لكف يدك الصغير أن يجمع محاسن الدنيا وزينتها، كيف يكون أدفئ مما يجب، كيف يكون أمانًا؟ ثم يجيبه: أرني كف يدك، نعرف الاجابة!

21743228_1473680672722230_347064460241983295_n

تدوينات صوتية

رسالة صوتية: عزيزتي، الضم سيد الكلام!

عزيزتي،
حسنًا، بما أن الفجر قد طلع، وانا استنفذت كل محاولاتي لأكمل نومة يتيمة باءت بالفشل. إذاً دعيني أخبرك عدة أمور.
في ما مضى كنّا نختلف بين كلمة بَحُبّك، وبَحِبّك، فأنا كغزاوي أميلُ الى الضم، وأنت كفلاحة، تميلين الى الكسر، وذات مرة سألتني إذا ما كان وراء ميلك للضم سرٌ ما؟ وكنت أجيب بالصمت العاري.
اليوم سأخبرك، بلا ريب، كوني غزاويًا فهذا أمرّ يأتي في آخر القائمة، فحتى لساني صار أعجميًا، ولكنتي العربية لم تعد تحكمها لهجة، ولا يدري المستمع إليّ إلى أيّ لهجة يستمع.
حسنًا، ففي قواعد اللغة الفصيحة، يميل أصحاب النحو إلى اعتبار الضم اكثر الحالات رفعة وكأنه سيّد الكلام، ومن ثم يتلوها السكون، وفي العاطفة؛ يميل القلب الى الضم، وينفر من الكسر.
حركة الضمة في الأصل عبارة عن واو صغيرة، تعلو الحرف، كونهاً واواً يجعلها أقرب لي وتشبهني، أخبرني حسن مرةً أنّ الجمع بين المحبوبين لا يكون الا بعد توسط الواو بينهما.
سيّد شعراء العراق محمد الجواهري حين تمرّ بشفتيه كلمة العراق، يبادر بقوله العُراق، ويجيب: يعزّ عليّ كسر عين العراق، هذا العُراقي، الذي رحل دون أن يشهد كسر عين العراق، والضمة التي تعلو عين عُبيدة.
وهل أخبرتك من قبل، أنّ ضمة الشفتين في بحُبك، أجمل من انفرادها في بحبِك، كما أن الضمة تعبّر دوماً عن دفء وحنين مجهول، ولم أخبرك قبل، ان الشفة المضمومة بعكسِ المنفردة، مدعاة للقبل؟
الثابت الوحيد بين الـ”بحبك”ـتين، أنّي لا زلت أحبك، ضمًا وكسراً، في السكون وفي الحركة. هل صدقتُ أم أنّ كل هذا كلّه “كُذب”؟

*ضمّةٌ مفقودة*
مودتي.

===

الرسالة مسجلة بصوتي على ساوند كلاود، تفضلو!

تدوينات.

تجارب: مُحاصَراً في مطار أتاتورك، إنقلاب.

ما يتم ذكره بالأسفل، كلام لن يهم أي شخص بالدرجة الأولى، و هو ليس الا محاولة تقييد تفاصيل دقيقة جداً لذكرى لن أنساها ما حييت، اذا ما رغبت بالاكمال، فيا أهلاً وسهلاً.

كان من المفترض أن أستلم غرضاً مهمًا من المطار قبل سفر أم زميلتي، وكان المخطط أن نلتقي في مجمع تجاري قريب من المطار، وحين وصلت في الوقت المحدد، تبين انه حدث سوء تفاهم وكان العنوان مختلفاً، و كانت خلاصة الأمر انه لا حاجة للمجيء للمطار وبامكانك العودة، ولكن لشعور داخلي- لا يعلم سببه حينها الا الله- أصررت على الذهاب الى المطار.

على بوابة المطار، كنت قابلت أحد أصدقائي، كان يعمل في المطار، و كان لا يملك هاتفًا -سرق هاتفه قبل يوم- وتحدثنا لمدة نصف ساعة، ومن ثم غادرت، لالتقي بمن كان مقررا لي ان التقي معهم.

جلسنا في مقهى سميت سراي، وشربنا القهوة و شربت عصير ليمون، وكان قد بلغ المرض مني مبلغاً لا يعلمه الا أنفي، ذهبنا لنحضر الشاي و عدنا، لتقول لنا خالتي انه يوجد انقلاب في تركيا، كان الأمر أشبه بمزحة بائخة، وكانت ردة الفعل بالتحديد: ” -شخرة غزاوية-رحنا نجيب شاي، نرجع نلاقي في انقلاب؟ ” ، فتحت تويتر، لأرى اول تغريدة مكتوب فيها : مطار أتاتورك مغلق ومحاصر من قبل دبابات الانقلاب. وقرأت التغريدة زميلتي ولم نخبر خالتي بأي شيء.

عشر دقائق من الاخبار المتوالية، اضطررنا في ما بعد، لأن تودع زميلتي امها، وان نخبرها ان المطار مغلق من قبل الدبابات، وانه يجب ان نغادر المكان قبل أن تتعاظم الأمور، وهي عليها ان تذهب لتكمل اجراءات التشيك إن. ودعت امها. وذهبنا.

وصلت بوابة المطار الداخلية المؤدية الى محطة المترو، صديقي عبد الله يرن عليّ ويسألني : أينك؟ رددت: في المطار، وقال حالاً ادخل للمطار، واختبئ في مسجد المطار، حتى الصباح. وكذلك اسحب كل أموالك من البنك، واشتري مؤونة تكفيك حتى الصباح، و في حقيقة الأمر حتى هذه اللحظة لم آخذ التحذير على محمل الجد، لم يكن الأمر في حدود التوقع او الفهم أصلاً.

ذهبت لأتفحص محطة المترو، ووجدتها فعلاً مغلقة، ثم عدنا أدراجنا الى المطار، واتصالنا بخالتي نخبرها ان تعود، لنقضي وقتاً لحين اقلاع طيارتها، فكان قرارها اني لن أسافر حتى تتضح الأمور. في حقيقة الأمر كانت قد وصلت الى شباك كنترول الباسبورت، ولم يتبقى سوا دورين، لكنها عادت.

عدنا الى نفس المقهى، نتابع الأخبار، ونتلقى الاتصالات من كل حدب وصوب، ومن ثم ذهبنا فاشترينا مؤونة يومين من المعجنات والخبز والمياه والسكر، وكان بجانبي عمٌ تركي يحاول ان يفهم شيئاً من بث قناة الجزيرة، سألته اذا ماكان يريد شرب شيء ما فطلب شاي كعادتهم، في ذلك الوقت كانت السفارة الاسرائيلية قد أخبرت رعاياها أن الأمور قد تسوء، وقد يستمر الحصار اسبوعاً واحدًا على الأقل. وتهيب بهم أن يشتروا مؤونة تكفيهم مدة طويلة.

في لحظة ما، كنا ننتظر بائع البوظة ان يعطينا كلمة مرور الانترنت، وفجأة أصبحت حشود الناس في المطار تجري في اتجاهات عشوائية، والأصوات تتعالى، ولم يخطر ببال احد سوى الهروب، كما يقولون حلاوة الروح! لا أدري بأي حال هربنا، ولكن الشيء الوحيد الذي ظلّ عالقاً بذهني هو أن المشهد الذي أعيشه الآن، يماثل تماماً المشهد ذاته قبل أسبوعين حين دخل مسلحٌ ارهابي مطار أتاتورك، وأطلق النار بشكل عشوائي على الناس، وهرب الناس الى كل مكان، حتى فجر نفسه. هذا هو الشيء الوحيد الذي كنت أفكر فيه، ان هناك ارهابياً، او عسكرياً انقلابيا قد تمكن من دخول المطار. ذهبنا الى دورة المياه، وكانت سيدة تركية تقوم بتنظيف المكان، رغم الحدث الحاصل لم توقف عملها، وكانت تقول لا تقلقوا، لم يحدث شيء، وفي حقيقة الأمر كانت ملامح الرعب تغلف وجوه الجميع. ولم يطمئنوا حتى جلسوا في زاوية بعيدة عن الساحة الداخلية.

في تلك اللحظة بدأنا نتنبه اننا تركنا كل ما نملك على الطاولات، وليس معنا شيء، وحينما تبين انه لا يوجد أي خطر ما، عدنا بهدوء وروية الى مكاننا في المقهى، لنجد كل شيء في مكان، ووجدت هاتفي ملقى على الأرض، جمعنا أشيائنا في مكان واحد، وجلسنا بجانبها.

بدأنا نفكر في أن الأمور كانت تتجه الى الأسوء، ولا احد هنا يعرف ما الذي يدور، ولا علم للشرطة أو الموظفين بما يحدث، كانت اوقات عصيبة. ووجدت الناس من حولي بدأت تتصل بأقاربها ومعارفها، وكان اناس كثيرون، يطالبون بالسماح من ذويهم، ويودعون. بجانبي كانت امرأة، قد هاتفتها ابنتها الصغيرة تقول لها: ” الم تكن طائرتك اليوم؟ لماذا لم تأت حتى الآن؟” وبعد هذه المكالمة كانت الأم قد انهارت في موجة بكاء طويلة. وكان هذا أقسى ما مر عليّ في لحظتها.

في بداية الأحداث كان أهلي يحاولون الاتصال فأخبرتهم بايجاز انني بخير، ولا املك شاحن هاتف، ولم أخبرهم بأنني في المطار، ولكن بعد الحادث الاخير، ارسلت لهم رسالة فيديو قصيرة مقتبضة تنتهي بكلمة “بحبكم”. ارسلتها لأبي وأمي واخواتي، ولحسن حظ أبي وأمي انهم ناموا، ولم يشاهدوا هذا الا بعد انتهاء الأحداث. 

في تلك اللحظات، كان الجميع على أهبة الاستعداد للهرب او الانبطاح في حال حدث شيء ما، وكانت كل حركة غريبة مثيرة للانتباه. مرةً أخرى بدأ الناس بالهرب، ولم يكن من بعض الاتراك الا ان ينادو بصوت عالٍ: “لا أحد يتحرك، انبطحوا أرضاً، يكفي!” و ” بانيك يوك، لا قلق”. مما هدئ من روع الناس. بعد دقيقتين كانت احدى فتاتين تريدان الذهاب الى الجانب الآخر من القاعة، وقامتا بالجري، فما كان من الناس الا ان انهالوا بالسباب عليهن، كي لا يربكن الآخرين.

بعد ثلاث ساعات ونصف من الاحتجاز و بعد لحظة صمت عمت المكان، كانت أصوات التكبير والتحميد والتهليل خارج المطار تقترب، اكثر فأكثر، انفتحت أبواب المطار، – وفي حينها لم يكن الناس على علم بماهية الأشخاص الداخلين- وقام الناس من اماكنهم يترقبون القادم، وكانت اصوات التكبير تتعالى، وكانت الناس يتوافدون في اربعة طوابير، يتقدمهم شخص يوجههم داخل المطار- أطلقنا عليه فيما بعد لقب محمد فاتح المطار- ، وحينها تهللت وجوه الناس، وأكملت التكبير معهم، حتى أن الأم التي كانت انهارت من البكاء قبل قليل استعادات عافيتها وأصبحت تكبر وتهلل بقدومهم،  وظلت تتعالى الصيحات و التحايا. وبدأت الشرطة تبشّر الناس، وتقول لهم “بانيك يوك”. انخرط الناس في المطار مع المتظاهرين ضد الانقلاب، وانتشروا في أنحاء المطار.  

انتشر الناس في انحاء المطار، وكانت الأخبار القادمة أخبارًا مبشرة الى ذلك الحين، وفي وقتها تمكننا من مغادرة القاعة الداخلية للمطار و تنفسنا الصعداء حين خرجنا من المطار. بدأنا بالمشي حيناً وبالركض حيناً آخر، و كانت الاحتفالات والتظاهرات تعم ساحة المطار الخارجية، وكانت الناس على أقل تقدير اكثر من مليون شخص جاؤوا مشياً على الأقدام من مسافات تزيد عن عشرة كيلو متر على الأقل. كانت مشاعر الفرحة تغمر الجميع، ومشاعر الخوف والاضطراب لا زالت موجودة.

#تثبيت: طيلة فترة الاحتجاز، وحين دخول المتظاهرين، كانت سلوكيات الناس تدل على فهم ووعي لا بأس به، ولم يقم احدٌ ما بتخريب أيٍ من أثاث المطار، او القيام بسرقة او نهب اي شيء -رغم امكانية وسهولة ذلك- عدا عن مشهدين، لشخص غاضب طرح احد اللافتات أرضاً -لسبب لا أعلمه- و الآخر لمواطن كان يتجادل مع الشرطة بصوت عالٍ يريد أن يفهم ماذا يحدث.

خرجنا من المطار، وحينها كنت قد اتصلت على صديقي يسكن بقرب المطار، لنقضي الليلة هناك، وكان مرحّبًا، و من ثمّ ذهبنا الى كابينة حراسة، وطلبنا منهم أن نشحن احدى هواتفنا لأننا انقطعنا حينها عن كل وسائل الاتصال. بعد دقائق معدودة، اكتشفت خالتي ان جواز سفرها مفقود! ولم يكن الحل الوحيد سوى العودة لتفقد جواز السفر. ونحن عائدون الى المطار بعد ان قطعنا مسافة لا بأس بها. بدأت طائرات الF16 بالتحليق على مدى منخفض، وفاجأنا صوت انفجار كبير، وضع الناس اياديهم على رؤوسهم وانبطحوا ارضاً، واقتربوا من الجدران، ولكن تبين فيما بعد ان الطائرة قد اخترقت حاجز الصوت. وأنا -كغزاوي لا تغادره التجربة- قلت لهم في بدايتها انه تفريغ جوي، ونحن -كخريجين حروب- نعلم أن الصاروخ الذي سيقتلك لن تسمع صوته.

تكرر الأمر ثلاث مرات، وكان الرعب البادي على وجوه الأجانب، اكثر من الأتراك نفسهم، وفي تلك اللحظة كانت زميلتي تشعر بالاعياء، وكان سيغمى عليها، همّ الناس بمساعدتها، و قمنا نشربها الماء، حتى وقفت على اقدامها واكملنا السير مرّة أخرى. اوقفنا سيارة عادية، نقلتنا الى مكان بعيد عن المطار، وعن التجمهر. شكرنا المرأة، أصبحت الساعة قرابة الرابعة فجراً، وجلسنا نصف ساعة ننتظر بتاكسي فارغ ليقلنا الى بيت صديقي، وبعد طول انتظار وجدناه.وبعد دقيقتين كنا قد علقنا بالزحام، وتبين ان الطريق مغلقة ومليئة بالمتظاهرين والسيارات التي تحاول الوصول الى المطار، فكان الخيار الوحيد ان نذهب الى فندق بعيداً عن المطار، وفي مكان آمن. اوصلنا سائق التاكسي الى فندق قريب.

دخل كلٌ منا غرفته، وتنفسنا الصعداء أخيراً نحن في أمان. نمنا وكان التعب قد نال منا، وبلغ النعاس بنا مبلغاً. خمس ساعات من النوم، واستيقظت على كثير من المكالمات والرسائل التي تطمئن، من بينها احد اقاربي في بلجيكا، يخبرني ان صديقه عالق في المطار، و أوصلني به كي احاول استضافته، و أعطيته عنوان الفندق، وكان مثلنا، قد أتى بلا شنطة سفر، ولا يحمل الا محفظته.

استقبلته، استرحنا قليلًا، ثم قضينا اليوم خارج الفندق، وبعدها ذهبنا الى المطار مرّة اخرى، لنعود بحثاً عن الشنط و جواز السفر.

وصلنا المطار، وكان مشهداً مهيبًا، كل الناس مصطفين على جوانب البوابة تحيي القادمين، والكل يهلل ويكبر، والشعارات والهتافات لم تتوقف للحظة، مررنا بمشهد عظيم لا أنساه، للجنود العساكر الذين كانو يحمون المطار، كانوا مغادرين بعد يوم كامل من الدوام، يحملون سلاحهم وعتادهم على أكتافهم والناس يشيحون بأيديهم لهم، و أخر ينادي: ” انتم رجال، رجال كالرجال” ، وهتاف جماعي يقول:” هذا الوطن يشعر بالكبرياء لوجودكم”. وكان الجنود يمشون رافعين رؤوسهم ويردون السلام على الناس. كان مشهداً مهيبا بحق.

دخلنا المطار، وتقريباً بلا مبالغة، سالنا كل مكتب وشرطي عن جواز السفر الضائع والشنط، بعد ساعة ونص من المحاورات والملاحقات، ذهبنا الى أول مكان دخلناه، وسألت الشرطي اذا ماكان ثمّة جواز سفر ضائع؟ فبحث في الدرج، فوجدت جواز السفر، وكأنني وجدت كنزاً من الذهب، وكان صراخنا قد عمَّ المطار فرحاً.

مرّة أخرى، هذه تفاصيل دقيقة كتبت لتخزن في الذاكرة الفردية، لي على الأقل، كتبتها مرة واحدة، وسأنشرها دون مراجعة.

شاكراً كل من سأل واطمأن واتصل، نحن بخير. والسلام.

عبيدة

اسطنبول، مطار أتاتورك الدولي.

يوليو 2016

تدوينات.

خارج «معتقل غزة»

لم أجد تفسيراً واضحاً للخوف الذي أصابني حينما دخلت بيروت. حتى بادر أحدهم إلى سؤالي. لقد ذكرتني بيروت بغزة. غزة التي خرجت منها قبل عامين. حياتي في بلد غير عربي صنعت فجوة بيني وبين ذلك الماضي.

عبيدة زين الدين

إسطنبول | الطفل الذي بلغ العشرين ولم يدرك ماهية الوطن بعد… ثمانية عشر عاماً في غزة، مسجوناً بالمعنى الفيزيائي والروحي في 360 كلم مربعاً. لا يعرف منها سوى ثلاثة أحياء. تولد تحت الاحتلال. تزرع في رأسك فكرة واحدة: وطنك محتل؛ وطنك الذي لم تعرفه جيداً.
يلقنونك في المدرسة: مساحة فلسطين 27000 كلم مربع، وفي الجغرافيا تتعلم تضاريس الجبال والصحراء والسهول التي لم تلمسها عينك. أنت تتعلم ولا ترى شيئاً. أنت تحفظ ما على الورق لا أكثر. أصعب ما كنّا نتبارى فيه من يتقن «طعجة» حيفا في الخريطة. أما تقعيرا طبريا والبحر الميت، فسهلان في الرسم. تبدأ القصة بعد الولادة بقليل. حين تسجل في «الكوشان»* فلسطينياً. هذه الورقة هي الصلة الأولى لك بفلسطين. تكبر قليلاً لتجد نفسك في الروضة تستمتع بالأغاني الوطنية وتحفظها بحماسة، ثم تتعلم النشيد الوطني وتحية احترام العلم. حتى الآن هذا ما يربطك بفلسطين.

ثم طوال أيام الدراسة من الابتدائية حتى الثانوية، تدرس فلسطين تاريخاً وجغرافيا ومدنية ووطنية. تحفظ مدنها كلها وأين تقع برغم علمك أنك قد تموت قبل أن تراها. المضحك أنهم كانوا يعلموننا ما هي حقوقك بصفتك مواطناً فلسطينياً!
لنفترض أن كل ما سبق لا شيء. ربما؟ سيكبر الطفل قليلاً، ويريد أن يخرج من الوطن ليكمل دراسته بعيداً عن «الدراسة النظرية» في أقوى جامعات غزة. تبدأ ملامح الحدود تتضح أمام عينيه في كل مرة كان يذهب فيها إلى المعبر ثم يعود محملاً بالخيبة. المحاولات جيدة لتعلم الكثير قبل الوقوع في فخ الغربة. تضع في حقيبتك كل ما تستطيع حمله من الوطن: الزعتر، والصابون، والميرمية (القصعين). هذا ما قد يفسر ثقل حقائبنا التي نجرها ويلقيها الأمن المصري من أرض إلى أرض.
بعدما تصير غزة خلف ظهرك، وتسير مثقلاً بالحقائب، يناديك الجندي العربي كي تسرع: «يلّا امشي، ولّا عاوز ترجع غزة تاني؟». قليلون من يحالفهم الحظ من الغزيين بدخول مصر. ولكنه ليس حظاً كبيراً أن تبدأ التعرف معاينة على أوطان أخرى قبل وطنك. في مصر تعلم تماماً أن «لا الرحلة ابتدأت ولا الدرب انتهى». كان نصيبي السفر إلى مطار إسطنبول، لتبدأ الرحلة «خارج زمن غزة» بحق.
تحار في تعريف نفسك في إسطنبول، بين سائح أو فلسطيني. إن حالفك الحظ ووجدت من يعرف الإنكليزية وسألك عن بلدك. «باليستاين». تتغير ملامحه متسائلاً: «باكستان؟». تأخذ التنهيدة الطويلة قبل استجماع ما تعرفه من كلمات أجنبية كي تبدأ رحلة التعريف عن وطنك، الذي لم تره. حتى الأتراك الذين كانوا يسمعون منا كلمة «فِلِستِين»، ويكيلون لنا عبارات التضامن والمحبة، ينتهي نقاش بعضهم إلى قوله :«بعتم أراضيكم!». ومن الجيد أن تصادف من يظن أن فلسطين دولة، وإسرائيل دولة أخرى، وأنهما دولتان متجاورتان تتعاركان حول الأرض لا أكثر. هذا على الأقل صدق واقعاً لا كذبة. ولا يخلو الأمر من لقاء من قد يعرف عن وطنك أكثر منك، لكنهم قلة.
الوضع ليس سيئاً إلى هذا الحدّ. قد تجد فلسطين خارجها. تحديداً حينما تجمعك مائدة واحدة بفلسطيني من الضفة وآخر من القدس وثالث من الداخل. ولا في أقصى الأحلام أن تلتقيهم داخل الوطن نفسه. أكثر من ذلك، ستجد بجانبك فلسطينياً لجأ جده إلى سوريا قبل أكثر من ستين عاماً، واليوم هو لاجئ في إسطنبول. ستدرك في تلك اللحظة كيف قسمنا الاحتلال إلى خمسة مجتمعات على الأقل، وستجد كيف أن كل مجتمع كبر وتمدد في اتجاه مختلف عن الآخر: في جغرافيا مختلفة، وظروف مغايرة. لا يجمعنا إلا اسم فلسطين والقضية، وكلمات مشتركة بين كل لهجة وأخرى نستمتع كل مرة في اكتشاف الفروق في ما بيننا.
أما الجدليات الأكبر فهي بيننا وبين أحبائنا/أندادنا الضفيين. أنت كغزيّ لا تدرك معنى الوقوف ساعات على «المحاسيم» (الحواجز)، وهو لا يدرك معنى انقطاع الكهرباء أياماً طويلة. أما صديقنا من الداخل فلا يدرك كيف يمكن أن يمنع من السفر… ولا أحد منّا يدرك كيف تمضي عشرين عاماً من حياتك ولم تر القدس لمرة واحدة!
نخاف أن نمضي عمرنا ونحن نجري محاولات الوصول إلى فلسطين أو التعرف إليها. لكن في لبنان، حيث فيروز التي غنت «يا قدس يا زهرة المدائن»، تبقى لنا الوجهة الأقرب، والأصدق ربما. هناك رأيت فلسطين في المخيمات وعيون من هُجِّروا، وقريباً من حدود أرض قد حررت فعلاً من يد الإسرائيليين. في قلعة الشقيف رأينا فلسطين وراء جبل الشيخ. ربما كنا في تلك اللحظة أقرب إلى فلسطين من أيّ وقت مضى مع أننا عشنا فيها. شعرنا بأن فلسطين ضاعت حقاً. يوماً بعد يوم، وسفراً بعد سفر، تدرك أن الطريق إلى فلسطين لا يزال طويلاً، وأن فلسطين ليست على مرمى حجر كما أخبرتنا قيادة الثورة. هل كانت وجبة فطور جدي وهماً؟ كل صباح كانت تتجدد الوجبة على مدار سبعة عقود خلت… ما أبعدك عنا وما أقربك إلى قلوبنا يا «زهرة المدائن»!
*شهادة الميلاد

العدد ٢٨١٩ الاثنين ٢٢ شباط ٢٠١٦
مڤدونات

#مسافر 1 | ازمير ، 1 İzmir | #Müsafir

سلسلة مسافر، سلسلة مفدونات (Vlog)، تعرض رحلاتي وسفراتي الشخصية.
في الحلقة الاولى نأخذكم في جولة شيقة في مدينة ازمير الجميلة في تركيّا
شاهدوا الفيد
يو بجودة عالية، مشاهدة ممتعة يا أصدقاء!

تقديم و تصوير: عبيدة زين الدين.
مونتاج: كرم خلف.
اذا نال الفيديو اعجابكم، لا تنسوا ان تشاركوه مع أصدقائكم، و تابعوا القناة لتشاهدوا الفيديوهات القادمة، ونعدكم أن القادم أجمل! ‏‎

تدوينات.

الباحث عن فلسطين في لبنان

للحظة انتبهت أنني أقف على شاطئ البحر المتوسط. نعم هذا هو البحر نفسه الذي تشرف عليه عكا من الجهة الأخرى. حتى أن صيادي عكا كانوا يستريحون على ميناء صيدا قبل إكمال رحلتهم إلى ما هو أبعد. ليست صيدا فقط تشبه فلسطين. أسواق جبيل كأنها أسواق القدس. المنظر الخلاب من أعلى حاريصا هو نفسه المشهد من الحدائق البهائية في حيفا. تشابهت علينا الأماكن، ولكن الفلسطيني كعادته، تلاحقه فلسطينيته أينما حل ورحل حتى لو قرر البعد عنها. بتنا هنا في جولتنا السياحية، أواخر كانون الثاني الماضي، كمن يبحَث في لبنان عن فلسطين. فلسطين الضائعة، التي لم يرها إلا عبر الصور!
كنا نضج بالحديث عن ضيق المقابر في غزة. فجأة تجد نفسك أمام مقبرة الشهداء في مخيم صبرا وشاتيلا: ضريح واحد يقطن أسفله آلاف الشهداء، المعروفون منهم والمجهولون. أمام الضريح نفسه تقف أم لثلاثة شهداء حاملةً صورة في يدها. اختصرت عليها العذابات مدة الزيارة لتقف أمام قبر واحد. اقتربت وهمست في أذن أحدنا: «الله يخليك لأمك يا ابني».
كأن مخيمات فلسطين هنا بكل تفاصيلها: مشاهد المسلحين؛ أبناء المخيم يجلسون على عتبات البيوت يرقبون العابرين، حتى مخطوطات الحائط تميّز المخيم وتعطيه طابعاً مختلفاً.

ولكن الضيق يخنقهم: أسلاك الكهرباء المخيفة التي تربط بيوت المخيم ببعضها؛ البيوت كالأطفال تحشر نفسها في الشتاء جنباً إلى جنب؛ مساحة لا تتعدى ربع ملعب كرة قدم، يقيم فيها أهل المخيم أفراحهم وأحزانهم.
أما القبور فحوت أعلاماً كثيرة من شهداء الثورة الفلسطينية: المفتي أمين الحسيني، وغسان كنفاني… إلى أن تنتقل إلى مخيم برج البراجنة. لا شيء يختلف. سنتان من الغربة عن غزة في تركيا، جعلت عودتنا إليها صعبة. هو الشعور نفسه الذي وجدته في لبنان. يبدو أن فجوة عامين جعلتنا ننسى أوجه المعاناة كثيراً. كنا نعتقد أن لا عذاب أكثر من الذي في غزّة، لكن ما في لبنان أكثر.
يصر من استضافنا هنا على إعطاء وجه آخر لسياحتنا. ذهبنا إلى قلعة الشقيف، التي سمعنا أنه صمد فيها مقاتلو «منظمة التحرير» في حرب 1982. ثلاثون مقاتلًا فضّلوا الموت جميعاً على الاستسلام للقوات الإسرائيلية. أذكر تلك الحلقة التي نقلت عن الإعلام العبري، ووصفت فيها تلك المعركة بأنها من أشرس المعارك التي مرّ بها الجيش الإسرائيلي. أذكر أن الجنود قالوا إنهم كانوا يقاتلون الأشباح. صرنا نتلمس بين جدران القلعة وممراتها الضيقة خيالاتهم.
أعادت نفسي على مسمعي ما قاله الجنرال شاؤول نكديمون، «هذه الحرب كالمصيدة وقد وقعنا فيها كفئران صغيرة. في قلعة الشقيف فقد الفلسطينيون 30 مقاتلاً لكننا فقدنا خمسة أضعاف هذا العدد». كل حجر مهدم في هذه القلعة وكل غرفة داخلها تشهد على ضراوة المعركة، وعلى دم الشهداء الذي يعبّد الطريق إلى الحرية.
الجانب الآخر من هذه القلعة يطل على فلسطين المحتلة، تحديداً الجليل الأعلى، المكان الأقرب إلى فلسطين منها. نقف كسائحين أو لاجئين، بات الفرق لا يهم، ننظر إلى فلسطين، التي لم نرها إلا في الصور. كانت المسافة أقل من عشرة كيلومترات كما أخبرنا من حولنا. أشاح أحدهم بيده إلى جبل الشيخ، والمستوطنة الجاثمة هناك. في تلك اللحظة، تعرف ما معنى أن بلادك سرقت. أحدهم كان يعبث بجواله، الذي يحتوى الخط الفلسطيني، ووصلت إليه رسالة تقول: «أهلاً وسهلاً بك في إسرائيل»!
تركنا القلعة لنذهب إلى معلم آخر. صحيح أنه أبعد عن فلسطين، ولكن ما في داخله أقرب. جبل مليتا، الذي يزيد ارتفاعه على ألف متر عن سطح البحر. كان يستغرق المجاهدون أربعة أيام لصعوده، وثلاثة أيام لنزوله. المكان الذي صار معلماً سياحياً شهد على معارك كثيرة بين المقاومة الإسلامية والجيش الإسرائيلي بدءاً من الثمانينيات. بتنا نقارن بين ما نعرفه عن أنفاق غزة من صعوبة وبين إنجاز نفق في جبل. في غزة لم نعرف معنى الجبل ولا العيش فيه، فضلاً على المقاومة منه!
زيارتنا إلى لبنان تحولت إلى جولة على طريق فلسطين. تتركك هذه المشاهد التي كنت أعجز عن تصورها لتفكر كثيراً في الشهداء الذين مضوا لتحرير أرضهم. تتذوق طعم النصر هنا وتتشوق لتذوقه في فلسطين. لن أنسى ما كتب على تمثال الجندي المجهول في المخيم، «عندما تعجز الأجساد عن اللقاء، تبدأ أرواح الشهداء رحلة البحث عن الوطن، فإما عظماء فوق الأرض، وإما عظماء في جوفها، إلى فلسطين خذوني معكم»!

تدوينات.

ربع مواطن، ثلاثة ارباع لاجئ.

ربع مواطن، ثلاثة ارباع لاجئ.
هذه البلاد مثيرة، كيف يولد الانسان لاجئاً؟ غرابة هذه البلاد كامنة في ان اللجوء يورّث ، وكرت اللجوء تحديداً، فجدّك الذي هُجِّر قبل اكثر من ستين عاماً، قد ورّث والدك كرت لجوئه، ووالدك قد ورّثك اياه بالمعية.
كبرتُ قليلاً ووجدتني ادرس في مدرسة غزة للاجئين، كنا نلبس زياً مدرسياً مختلفاً ويظهر اختلافه الجلي على الفتيات تحديداً، وندرس في مدارس قيل لنا انها افضل من المدارس الأخرى -الحكومية تحديداً- ، في السنة الاولى سالتنا المدرسة عن البلدة الاصلية، و استغرقت امي كثيرا من الوقت لكي تقول لنا اننا من بربرة، حفظنا هذا الاسم، وكنا جاهدين ألّا نضحك من هذا الاسم الغريب.. ايضاً كانت تخبرنا ان اهلها لاجئون من بئر السبع.
مرّت تسع سنوات في مدارس وكالة الغوث، كل سنةٍ في اول عامٍ دراسي، يسالنا المدرس عن بلدتنا الأصلية، ونجيبه بربرة، ثم انتقلنا للمرحلة الثانوية واصبحنا سواسية نحن و “المواطنون” ، هكذا كبرنا لاجئين، نحمل كرت اللجوء، و اسم بربرة يرافقنا.
كان كثيرا ما يتناهى الى سمعنا ان عائلتكم عائلة مواطنين فكيف تدرسون في مدارس اللاجئين، ونغض النظر عن الحديث لجهلنا به .. قبل سنوات قليلة يخبرنا والدي اننا مواطنون لاجئون.. كيف؟ ورد في الاثر ان جدي وامه، كانا يعملان في دكّان في بربرة قضاء غزة، كانا يقضيان ايام الاسبوع هناك، ويعودان ايام العطل الى بيتهم في غزة، وحدث ان صارت النكبة و اشتعلت الحرب حين كانا في بربرة، ولجأ حينها ابن غزة لغزة، أو أقصد عاد جدّي لغزة، وحين اتى وقت احصاء اللاجئين، رفض جدّي ان يسجل اسمه، ولكن امّه من وراء علمه سجلت اسماءهم مع اللاجئين، بغية “شرحة كابونة” او ايًا كان، او ربما كما قيل في الاثر: ” ليش بتضحكوا؟ اللي ملوش كرت مؤن، ملوش بلد ضايعة!”.
وهكذا اصبحت يا صديقي ابنا لام لاجئة، واب نص لاجئ، واصبحت انا ثلاثة ارباع لاجئ، وربع غزّاوي، ومغرّب كمان.

تدوينات.

رسالةُ حبٍ متأخرة!

وحدها الأفكار التي تعتمر تلك الفجوة داخل رأسك، رأسك الذي تعبت أكتافك من حمله طيلة أعوامك العشرين، وحدها تتعبك أنت، حشو كبير من الأفكار يدور هناك، نفهمها ولا نفهمها، لا زالت تدهشني كلَّ مرةٍ حين تكتمل الحلقة، يبدو المشهد واضحاً، واضحاً للعيان، لا غبَش فيه ولا شبهة، كل العقُد حُلَت امام ناظريك، لا شيء تُنْكِره، يجدُر بك أن تسلّم بالحقيقة البائنة ،أنت، نعم أنت! ، لم لم تخبرني بذلك كله؟ أدرك أنّك كنت تعلم كل شيء، لكنك لم تخبرني، لماذا انتظرت حتى سلّمت الروح الى بارئها، كنتَ كل مرة تدلي لي بطرف الخيط، و تولّي بعيداً، لم أكن أفهم شيئاً مما كنت تقصده، لماذا تركت الأمور عائمةً حتى الموت.

هل أردت أن تكون هي تلك اللحظة الفاصلة، انا لا أدري بعد، يا صديقي، شيءٌ واحد أدركته الآن، ادراكاً مسلِّماً موقناً بصحته، مستعجباً مستغرباً و مندهشاً من سير خط هذا القدر! كيف يكون القدر معقداً و بسيطاً في آن واحد، كيف تظل دوائر القدر تتشابك على مرَّ السنين، حينما تكون اقرب للحقيقة الغائبة، بعيداً عنها أقل من خطوة، في وهلةٍ تنكشف السُتُر، وتُنحَلُ العقد، و تكتمل الدائرة! انا يا صديقي مندهش للغاية، لم أصدق انكَ قد متّ بعدُ، ولم أصدق أن الدائرة قد اكتملت! كيف تكتمل و قد أُنْقِصتَ أنت منها… لكنها اكتملت!

كان موتك اللحظة الفاصلة، ويبدو أنك اخترتها بعناية فائقة… لتخرج كل الافكار من فوهةً واحدة، لتتشابك امامنا عياناً، تتضح الصورة لحظة بعد لحظة، ولا زلناً فاغرين أفواهنا، كيف كانت قصتك بين يدينا، ولم نقرأها ولو مرةً واحدة، كيف اصررتَ انها لك!، ولم نأبه بهذا؟، كانت النهاية مخطوطةً: “على الاموات ان يناموا بسلام!”.

رسالتك الاخيرة كانت : “قد اشتقت لك” و لم نتحدث بعدها، الرسالة التي قبلها كنتَ قد ادليت باسم شخص لالتقيه، لم تذكر شيئاً عنه يوصلني به، قلت لي هو سيأتيك… بعد موتك سارت بيَ الاقدار لأعرفه!، خفقان قلبي و انذهالي في تلك اللحظة لا تعبر عنها لغة بعينها، كل اللغات قاصرة!

في أحايين كثيرة كنت أترنم قائلاً :” وكيف سنوقف حزن المآذن، حين تنادي صباحاً عليه ولا يستجيب؟ فلا ترحل من هنا يا حبيب.” كنتُ و لازلت أنتمي لهذا النص، ولكني لم أكن اعلمُ لمن كنت أغنيه، دعني اعود الى الوراء قليلاً… قرأت اسمك في عداد الشهداء، لم أصدق، ذهبت لأرى ملفك الشخصي، وجدتُ اسمك كاملاً، لم يخطئوا باسمك هذه المرة، أنا لم اصدق ايضاً، وجدتكَ قد كتبت قبل رحيلك رسائلاً خمساً : “عينُ أنس، مبارح يا حبيبي يا أنس حلمت فيك عازمي ع الفطور اليوم، صورة عناقك لابو انس يوم خطوبتك معقباً عليها حضر حالك يا ابو انس ترحب فيا هيك ، أنا الشهيد اللي جاي، اشتقنا لكم فافسحوا المجالس”، لم أرَ أيًا من هذه الرسائل الا بعد موتك!، نحس تفويت اللحظات المناسبة لا زال يلازمني، أتصدقني لو قلت لك انني أكملت أكلَ كيس المسليّات الذي كان بين يدي حين سمعت بخبرك، هل تغفر لي هذا؟

أيًا كان، بعد يومين عدتُ واكملت نفس الترنيمة عائدًا بها الى الوراء قليلاً قائلاً :” يقولون مات، ومثلك لا يحسن الموت إلا إذا اختار لحظته الفاصلة ، وفوق المدى، كانت الشمس ترقب أقمار عينيك حتى تعود .. تحنّي ابتسامتها بابتسامتك الناحلة، يقولون غاب، ومن كان مثلك ،كيف يطيق الغياب؟” انا حتى اليوم لا أصدق، هل اعود غزة يوماً، و لا اراك هناك؟ أراكَ قبراً؟ حفنة من رمال تعتليها رخامة كتب عليها اسمك!

مرة أخرى أنا آسف يا صديقي، ربما صورتك التي رُسِمَت لكَ في مخيلتي بعد استشهادك لا تحبها، كثيراً ما تلاحقني تلك الصورة، هاتف اتى بانذارٍ لقصف المنزل واخلائه حالاً، اربعون شخصاً يهربون من المنزل، يقصف المنزل و هم في الطابق الاول، يتساقطون من الشبابيك الى الشارع، نجوا كلهم ، الا أنت وحدك، تسقط عليك اربعة طوابق، تهشم جسمك الضعيف ولا تبقي من مُحيّاك الجميل اي شيء.. كل مرةً يراودني هذا المشهد، اقاومُهُ بمشهدٍ آخر، أرى روحك بيضاء ناصعة تخرج قبل ان تسقط القذيفة، تعلوا الى قضاء الكون البهيج.. وانت ترقى بعينيك الى السماء، ترى مكانك هناك، ترقد بين الضياء والنور، تغمض عيناك بهدوء و سكينة ابتسامة تعلو وجهك، وقلبك ينثر الورود حولك، ثم يتنزل الصاروخ برداً وسلاماً عليك!

كنتَ آخر من ودعني قبل سفري، و اعطيتني كتاباً وقلت لي أعده في الصيف القادم وخذ غيره، لكني لم أعُد، وانت لم تبقى! اذًا من كذب فينا؟ دعكَ من هذا كله، كانوا في الماضي يسخرون مني يقولون أنني سريع الدمعة، مرت يا صديقي سنةٌ كاملة ، ولم ابكِ مطلقاً، المقلة البكّاءة جفّت، أعاتب نفسي دائماً عتاباً خجولاً لماذا لا أبكيك؟، ربما لأنك لم تمتْ، هذا ما اقنع نفسي به على الأقل…

قالت احداهن تعرف الرثاء: هي رسالة حبٍ تأخر وصولها الى ما بعد الموت، هذه يا صديقي رسالةُ حب، ربما تأخر وصولها، او لم يأت حينها بعد… لنقل ان هذاً عتابٌ حميمي بعض الشيء، لأنك رحلت دون ان نكمل كل ما اتفقنا عليه؟ على أيّ حال هذا ليس رثاءً، الموتى لا رثاء لهم، الموتى نجوا، الذين لا زالوا أحياءً عالقينَ هنا هم من يستحقون الرثاء.

الى الشهيد / عاطف قنديل.
10511071_669048223185483_6774302612777027199_n